|
البطريركية اللاتينية وُجِدت، في القرون الستة الأولى، في القدس سلطة دينية واحدة، هي البطريرك، سُمّي بالبطريرك الأرثوذكسي لاحقاً جراء الانقسامات التي حلت بالكنيسة. بقدوم الصليبيين عام (1099) تم تأسيس رئاسة كنسية لاتينية، وتم تسمية بطريرك لاتيني لهذه الكنيسة. وبالنسبة للكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت فإن البطريرك اللاتيني كان يمثل وحده السلطة الدينية القانونية، حيث أنه تم اعتبار الكنائس الأخرى الموجودة كنائس خارجة و هرطوقية. منذ ذلك، بقي الكرسي البطريركي حتى عام 1294، وككرسي شرفي في أوروبا، حتى عام 1847 حيث أعيد تأسيس الكرسي في مقره في القدس. وما زال مستمرا الى اليوم . في فترة غياب البطاركة اللاتين، كان الآباء الفرنسيسكان) حراسة الأراضي المقدسة (يقدمون الرعاية الدينية والاجتماعية للمؤمنين . وقد لعب الآباء الفرنسيسكان دوراً محورياً في تكوين وتشجيع الرعايا اللاتينية والمحافظة عليها. في عام 1336 أقامت مجموعة مكوّنة من 12 راهبا فرنسيسكانيا في القدس بالقرب من علية صهيون وبالقرب من القبر المقدس، وكان لهم الحق في إقامة الاحتفالات الليتورجية في كنيسة القيامة. بعد ذلك ببضع سنوات، أي في عام 1342، صادق البابا كليمنس السادس قانونيا على وضع ودور الآباء الفرنسيسكان، وبالتالي تم تأسيس لـ "حراسة الأراضي المقدسة " رسميا". كانت أعمال الآباء الفرنسيسكان عديدة ومثمرة، إن كان في مساعدة الحجاج القادمين لزيارة الأراضي المقدسة أو في تقديم الرعاية اللازمة للمؤمنين المحليين . وحتى يومنا هذا ما زالوا يُعتبرون "حُرّاس الأراضي المقدّسة الكاثوليكية"، ويديرون شؤون العديد من الرعايا الموجودة ضمن إطار البطريركية اللاتينية. تمّت إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية رسمياً مع تعيين البطريرك يوسف فاليرغا في العام 1847، وتسلَّم مهامه في القدس في السابع عشر من كانون ثاني عام 1848 عندما دخل كنيسة القبر المقدس "كنيسة القيامة" في احتفال مهيب. كان نطاق سلطة البطريرك يمتد، بالإضافة إلى منطقة فلسطين ) في ذلك الوقت(، أيضا على الضفة الشرقية وقبرص. ولغاية اليوم فإن نطاق سلطة البطريرك ما زال ممتدا على نفس الأراضي، على الرغم من التطوّرات والتغيرات السياسية التي حصلت. في نفس العام (1848) أسّس البابا بيوس التاسع نظام "فرسان القبر المقدس"، بهدف تقديم الدعم والمساعدة للمسيحيين الذين يعيشون على أرض المسيح. في فترة القرن والنصف التي مضت على إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية، فإننا اليوم نشهد التطور الملموس الذي عاشته الكنيسة اللاتينية. فهي تُعَد بعدد مؤمنيها واحدة من أهم ثلاث كنائس موجودة في الأراضي المقدسة والأردن إلى جانب الطائفة الأرثوذكسية وطائفة الروم الملكيين. فتعداد اللاتين اليوم فلسطين واسرائيل يقدّر بحوالي 44 ألفا وفي الأردن 33 ألفا. عمِلَت هذه الكنيسة على تنظيم نفسها متحدة بالتنظيم الكنسي، فأوجدت شبكة من المؤسسات والخدمات المتعددة: المؤسسات الكنسية، التربوية، التعليمية، الصحية، الإجتماعية، الثقافية، المسكونية، الحوارية، ... الخ، فالأرقام وحدها تستطيع أن تتحدث عن ذلك: رعايا البطريركية اللاتينية في الأراضي المقدسة 29. رعايا البطريركية اللاتينية في الأردن 34. رعايا البطريركية اللاتينية في قبرص 6. هذا بالإضافة إلى التواجد في 13 موقع آخر. عدد الكهنة الذين يقومون بالخدمة 80 كاهناً محلياً، من الأردن وفلسطين. ويتخرّجون من المعهد الاكليريكي في بيت جالا . بعد تخرجهم يقوم بعضهم بالتخصّص في عدة مجالات في مراكز أجنبية متعددة. في عام 1987 وبعد ستة بطاركة من إيطاليا، تم انتخاب أول بطريرك عربي، البطريرك ميشيل الصباح. و يوجد في كل من الأردن وإسرائيل نائب بطريركي للاتين، في مدينتي الناصرة وعمان. ويقوم بعض الكهنة المحليين بتقديم الخدمة الرعوية أيضاً للجاليات الأجنبية المقيمة في الأردن وفلسطين، هذه الجاليات من دول : الفليبين، رومانيا، بولندا، روسيا ... الخ. عدد المعاهد والمراكز الدينية اللاتينية للذكور (31)، وللإناث (72). ويقدّر عدد الأعضاء في هذه المعاهد بحوالي ( 1700). وبشكل عام فهؤلاء يديرون مراكز عدة معظمها مراكز تربوية، مراكز تنشئة، مراكز خيرية. بالإضافة إلى شبكة من المدارس، والمعاهد العليا (ومن ضمنها جامعة بيت لحم)، معاهد الكتاب المقدس وأثرية، معاهد إكليريكية، مستشفيات، عيادات، ملاجئ، دور عجزة، مراكز إقامة للحجاج، مراكز لذوي الاحتياجات الخاصة، هيئات إنسانية وخدمات اجتماعية. وتُقدَّم جميعها بالدرجة الأولى للمسيحيين، ولكن أبواب هذه المؤسسات مفتوحة أيضاً للمسلمين. البطريركية اللاتينية، كمؤسسة، لها أيضاً العديد من المدارس لا سيّما في الأردن وفي القرى. يجدر هنا تسليط الضوء على رهبانية " الوردية المقدسة"، لأنها رهبانية نشأت في حضن البطريركية اللاتينية في عام 1880، ويعود الفضل في تأسسيسها إلى الأم ماري الفونسين في القدس وإلى الأب يوسف طنوس في الناصرة. وبالإضافة إلى المدارس العديدة التي أنشأتها هذه الرهبنة وتديرها، فإنها تلعب دوراً رعوياً مميّزاً في رعايا البطريركية، جنباً إلى جنب مع كهنة البطريركية. وفي الإطار المسكوني يشار إلى معهد "طنطور"، الواقع بالقرب من بيت لحم، الذي أُسس في العام 1964، كثمرة لزيارة قداسة البابا بولس السادس إلى الأراضي المقدسة. وتستخدم اللغة العربية عادة في الليتورجيا، والطقس المستخدم هو الطقس اللاتيني. ولكن، وبما أن الأراضي المقدسة هي محج ومركز للعديد من اللقاءات، فإن الغالبية العظمى من الإكليروس يتحدثون أكثر من لغة. وفي بعض الرعايا التي تُعتَبَر خليطا من جنسيات ولغات مختلفة، فإن القداس الإلهي يحتفل به أيضاً بلغات عديدة وبساعات مختلفة، تعتمد على احتياجات تلك المجموعات. أما في المزارات والأماكن المقدسة فمن المنطقي أن يُحتفل بالطقوس الليتورجية بلغة مجموعات الحجاج. ولهذه الأماكن المقدّسة ليتورجيتها الخاصة والمرتبطة بالحدث المقدس المرتبط بذلك الموقع. من الواضح أيضاً أن أبرشية القدس، كباقي الأبرشيات الأخرى، لها رزنامتها الخاصة بالقديسين والاحتفالات الليتورجية. وتحتوي رزنامة القديسين على أسماء عدد من رهبان فلسطين (إيلاريون، إوتيميوس، ثيودوسيوس، سابا ... )، وعلى بطاركة القدس مثل كيرلس وصفرونيوس...) والشهداء (لونجينوس، زينون وزيناس). حتى وقتنا الحاضر فقد تم إدراج اسم راهبة واحدة على قائمة الطوباويين : الراهبة الكرملية مريم بواردي ليسوع المصلوب، المولودة في بلدة عبلين في الجليل. في حين التحضيرات لإعلان تطويب كلٍ من : سمعان سروجي السالزياني، المولود في الناصرة، والراهبة ماري ألفونسين غطاس، مؤسسة راهبات الوردية، والمولودة في عين كارم. يتم الاهتمام بالحياة الرعوية بأشكال متعدّدة. ففي ذكرى اليوبيل (2000) ، بعد خمس سنين من المشاركة الفعالة من قِبل الرُعاة والمؤمنين وبالتعاون الوثيق مع الكنائس الشرقية الكاثوليكية الخمسة، تم إقرار المخطط الراعوي. الأمر الذي أدى إلى إحياء الرعايا وتفعيلها، بمشاركة نخبة من الكهنة الغيورين، والمؤمنين المتحمّسين والمنخرطين في العمل التنظيمي والرعوي . وكثرت النشرات والمجلات التثقيفية في العديد من الرعايا وباللغة العربية، ولم يقتصر الأمر على المجلات فقط بل كثرت أيضاً المواقع الالكترونية الإخبارية المفيدة. أما الشعب المؤمن، ومع أنه يتبع الطقس اللاتيني فقد احتفظ بالتقاليد الشرقية القديمة، في الصوم، والعبادات الشعبية، تقاليد الحج المحلي لبعض المواقع، وعادات الأفراح والأتراح. وقد نضج الالتزام بالعمل المسكوني بوضوح أكثر بعد انطلاق أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) وتطوّر فهم أكثر لعمق الإحساس المسكوني لدى الكنائس الكاثوليكية. رحلات الحج من البابا بولس السادس (1964) ويوحنا بولس الثاني (2000) للأراضي المقدسة، والرسائل الرعوية لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك ، ورسائل البطريرك اللاتيني في القدس، وجمع عائلة الكنائس الكاثوليكية في "مجلس كنائس الشرق الأوسط" ، كل ذلك ساعد على السير في العمل المسكوني، وقد سرت هذه الروح أيضا لدى الشعب المؤمن . كان الحوار المسكوني يتعلق بالحياة اليومية للمؤمنين أكثر منه حواراً لاهوتياً وانعكس في العيش المشترك، الأخوة، الخدمة، المشاركة، الصلاة الواحدة، الاحترام المتبادل والقدوة الحسنة.. ومن الأمور المحسوسة كانت توحيد تواريخ الأعياد الهامة كعيد الفصح المجيد في الأردن وفي رعايا عديدة في فلسطين واسرائيل باستثناء بيت لحم والقدس بسبب مجيء الحجاج وسياسة الوضع الراهن أو ما يسمّى بالستاتو كووه. وان الرضى المشترك بالزواجات المختلطة بين أتباع الكنائس ، وأحيانا بحضور كهنة الرعايا من الطقوس المختلفة ، يعزز ثقافة العيش المشترك والتعليم الديني في المدارس. جدير بالذكر أيضا أنّ هنالك جماعات كاثوليكية مرتبطة بالبطريركية اللاتينية في القدس، وتعتبرها مرجعية لها. وهي الأقباط الكاثوليك والكاثوليك الناطقون بالعبرية، والروس الكاثوليك والكاثوليك الوافدون من كل أنحاء العالم، والمتجمعون في جماعات وطنية .
|