|
كنيسة الروم الكاثوليك الملكية- أنطاكية يأتي مصطلح "ملكيين" من كلمة ملك، أي الحاكم وذو السيادة العليا. والملكيون هم الذين تحالفوا مع الملك وناصروه. ويعود هذا اللقب إلى الإمبراطور القاطن في بيزنطية-القسطنطينية. فقد كانت سياسة الإمبراطورية آنذاك تملي على الشعب اعتناق العقيدة ذاتها وقبول إيمان واحد يعلنه الجميع. وحيث لم يكن هذا ممكنا، لأسباب مختلفة، في مناطق عديدة داخل الإمبراطورية، فأنه كان من الصعب تحقيقه في مناطق الجوار وخارج الحدود (أي في بلاد فارس، وأرمينيا). فقد كان المنشقون آنذاك أو المونوفيسيت (القائلون بالطبيعة الواحدة)1 خاصة في مدن أنطاكية والإسكندرية يطلقون لقب "الملكيين" على المسيحيين الذين كانوا يتبعون لاهوت مجمع خلقدونية (451) الذي دعا إليه ملك بيزنطية. أمّ اليوم، فيطلق هذا اللقب، على الروم الكاثوليك في الشرق الأوسط فقط. أما الروم الكاثوليك الذين يقطنون في دول البلقان والدول السلافية فيلقبون بالمنضمّين إلى روما UNIATES. يعود تاريخ الملكيين في الأصل إلى ما بعد مجمع خلقدونية وتحديدا إلى منتصف القرن السابع عشر. حيث بدأ الروم الكاثوليك بالتواجد كجماعات مسيحية في مدن حلب ودمشق ونواحيهما، وذلك بفضل عمل المرسلين (المبشرين) من اليسوعيين والآباء الفرنسيسكان الكبوشيين. وقد قدّم الملكيين آنذاك بعض الأساقفة الذين أعلنوا انضمامهم إلى كنيسة روما. و في العام 1724 انشقت كنيسة الملكيين في سوريا إلى كنسيتين: كاثوليكية وأرثوذكسية تتكونان من هيكلين تنظيميين متوازيين. وفي العام نفسه كانت خلافة البطريرك قد أدّت أيضا إلى ظهور جبهتين متناحرتين، تمخض عنها نشأة جماعة الملكيين الكاثوليك برئاسة البطريرك المنتخب كيريلوس السادس الذي نال اعتراف البابا بيندكتس الرابع عشر في عام 1729. وأخذت هذه الكنيسة الناشئة بالترعرع والتطوّر في التخوم المجاورة وخاصة في لبنان، وفلسطين والأردن، وبحضور بسيط في مصر ودول أخرى في الشرق الأوسط. واليوم، تشكل هذه الكنيسة ، بعد الكنيسة المارونية، الجماعة الكاثوليكية الأكثر نفوذا في المنطقة. حيث تضم أكثر من نصف مليون مؤمن. وإذا ما أضيف إليهم المؤمنون في المهجر والموزعون في أبرشيات مختلفة ( كندا، الولايات المتحدة، المكسيك، البرازيل، الأرجنتين، استراليا) فأنها تتخطى المليون مؤمن بكثير. يشكل الروم الكاثوليك "الملكيون" في الأرض المقدسة جماعة ذات حضور هام حيث يصل تعداد أتباعها إلى 63.000 . أما في الأردن فهم أقل عددا (حوالي 35.000). ومن ناحية الارتباط الكنسي التراتبي، يتبع الروم الكاثوليك بطريرك أنطاكية للروم الكاثوليك ويقيم في دمشق. وتمتد سلطة البطريرك لتشمل الأردن، لبنان، مصر، ودول أخرى في الشرق الأوسط إضافة إلى أتباعها في المهجر. ويبلغ عدد رعايا كنيسة الروم الكاثوليك في الأرض المقدسة والأردن أكثر من 70 رعية يعمل على خدمتها اكليروس عربي. ويرأس هؤلاء مؤسسات عدة منها: مدارس، مستشفيات، معاهد اكليريكية، مراكز تعليم مسيحي، مراكز رعوية، ودور ضيافة. وفي القدس للكنيسة كاتدرائية يقيم فيها النائب البطريركي، ولها أيضا كنيسة القديسة فيرونيكا بالقرب من المرحلة السابعة من مراحل درب الآلام. وفي الناصرة أيضا، تعود إلى كنيسة الروم الكاثوليك الكاتدرائية الواقعة قرب مزار المجمع اليهودي في الناصرة والمرتبط بحسب التقليد بحياة يسوع الخفية والعلنية. وتتعاون العديد من المؤسسات والمراكز الدينية، والجمعيات الرهبانية ذات الجذور الشرقية وأيضا اللاتينية، في الحقل الرعوي وفي المؤسسات التعليمية والاجتماعية. ومما يميّز الكنيسة في الشرق الأوسط وفي الأرض المقدسة أنها كنيسة عربية، أي أنّ مؤمنيها جميعهم من العرب وأن الطقوس الليتورجية فيها تقام باللغة العربية. وفي إطار الخصوصية التي تتمتع بها هذه الكنيسة المتجذّرة في العالم العربي، تسعى جاهدة للدفاع عن أصالتها وعن الحقوق الكاملة للعرب المسيحيين كمواطنيين يشكلون جزءا أساسيا من المجتمع. أما التوجه السياسي السائد فهو الوطني. وتكمن السمة اليونانية لكنيسة الروم الكاثوليك في جذورها البيزنطية المحفوظة في الإرث الكنسي: الليتورجي، الروحي، اللاهوتي (الطقس البيزنطيني)، والأيقونات. وقد أعطيت أهمية كبرى لهذا التقليد بمختلف أشكاله : في بنيته الداخلية ( هيكليتها البطريركية، السينودية، والأسقفية)، كما في تركيبته النسكية (النساك الذين يتبعون قانون القديس باسيليوس )، تنشئة الاكليروس والتعليم المسيحي، وفي الحياة الليتورجية. وفي هذا تتميز هذه الكنيسة عن غيرها من الكنائس الكاثوليكية الشرقية التي تقوم أصلا على منظومة أكثر عرقية. كانت كنيسة الروم الكاثوليك دؤوبة في حركة الانضمام وهي ما تزال اليوم فاعلة في الحركة المسكونية أيضا. وفي هذه المنطقة تتمسك الكنيسة بصلات تعاون وثيق مع الكنيسة الأرثوذكسية وقد قطعت شوطا متقدّما في الحوار المسكوني. تعمل كنيسة الروم الكاثوليك أيضا على زرع بذور وتنمية الحوار بين الأديان وخاصة مع المسلمين. وفي حضن الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، تحافظ كنيسة الروم الكاثوليك على صوت الشرق المسيحي وعلى المساواة في الكرامة التي تتمتع بها الكنائس الشرقية مع الكنائس الكاثوليكية اللاتينية. وتنظر كنيسة الروم الكاثوليك إلى نفسها عضوا رئيسيا من أجل التقارب بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية. ولهذا يعتبر الكثيرون هذه الكنيسة بمثابة الجسر الرابط بين الكنيستين.
|